السيد محمد حسين الطهراني
43
معرفة المعاد
وجميع اللذائذ ودواعي الانشراح التي يُتمتع بها في الدنيا يفعلها الإنسان لسبب واحد هو صرف نفسه عن ذلك الهمّ والغمّ ، وبمجرّد ارتوائه من تلك اللذة فإنّ ذلك الخوف والحزن المختفي سيطفو من جديد في شعوره فيُزعجه ويُقلقه . وعلّة هذا الأمر إنّ للإنسان علائق في عالم الحياة الدنيا ومعيشته ، وباعتبار دوران عالم الدنيا على محور المادّة والطبع ، ولأنّ المادّة دائماً في شُرف التغيّر والتحوّل والحدوث والفساد ، لذا فإنّ العلائق القلبيّة للإنسان ستكون هي الأخرى عُرضة لهذا التغيّر والتبدّل ، فيغوص الإنسان بفقدان ما يحبّ في عالم الحزن ، ويلفّه الخوف والقلق من احتمال فقدانه في المستقبل . أمّا أولياء الله الذين وصلوا مرحلة الخلوص ، فقد نفضوا أيديهم من هذه العلائق ، فلم يَعُدْ تغيّر الزمان والمكان والآثار الأخرى للمادّة ليؤثّر في أفكارهم . لا أن يكونوا قد خرجوا من الدنيا بأبدانهم وصانوا أنفسهم من تلاعب الحوادث المؤلمة ، بل أنهم قد أخرجوا قلوبهم من محبّةِ الدنيا ، ونصبوا خيامهم في حرم القدس وحريم الأمان الإلهي ، وحطّوا رحالهم في ذلك الفِناء . أولئكم الذين التحقوا من الجزئيّة بالكلّيّة ، ونزحوا من عالم الغرور إلى الحقّ ، والتحقوا من الأمور المنقضية المتصرّمة إلى الأبديّة ، فأخرجوا قلوبهم من العالَمين وشدّوا رحالهم ووردوا في بحر عظمة وقدرة الحقّ جلّ وعلا ، فصاروا بمنزلة البحر ، وصار وجودهم واسعاً وعبروا الحدود والمحدوديّة . ولو اغترف أحد من البحر غَرفة أو أضاف اليه قليلًا من الماء لما